الشيخ محمد رضا مهدوي كني

247

البداية في الأخلاق العملية

يراءها مملوءة نورا من حسناته التي عملها في تلك الساعة فينا له الفرح والاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار التي هي وسائل عند الملك الجبار ما لو وزع على أهل النار لأدهشهم ذلك الفرح عن الاحساس بألم النار . وإذا فتحت له خزانة خلقت بإزاء الساعة التي عصى اللّه فيها ، يراها سوداء مظلمة يفوح نتنها ويتغشأ ظلامها . فيناله من الهول والفزع ما لو قسم على أهل الجنة لنغص عليهم نعيمها . فإذا فتحت له خزانة بإزاء الساعة التي نام فيها أو غفل أو اشتغل بشيء من مباحات الدنيا ، لم يشاهد فيها ما يسره ولا ما يسوؤه . . . وعند ذلك يتحسر العبد على اعماله وتقصيره ويناله من الغبن ما لا يمكن وصفه . « 1 » يا حبذا لو يجسد المرء هذا الحديث امام ناظره في كل يوم ، ويجدد العهد والميثاق مع نفسه ألّا يبدد عمره ولا يدع أي لحظة من لحظاته تذهب هدرا وتضيع عبثا . وما أروع ان يقرأ الانسان سورة العصر في كل صباح ويتدبّر معانيها ويرى كيف ان اللّه أقسم بالعصر « والعصر » ثم قال مباشرة « إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » ، أي انّ الجميع خاسرون إلّا أولئك الذين استثمروا حياتهم بالايمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر . قضية جديرة بالاهتمام الخسران لغة هو الضرر الذي يؤدي إلى فناء رأس المال بتمامه ، ويبدو ان رأسمال العمر كالثلج الذي سرعان ما يذوب امام الشمس الحارقة ، مع فارق واحد يتمثل في أن قطرات الثلج الذائب تبقى في الأرض ، بينما لا يبقى أي اثر يذكر للحظات عمر الانسان ، ولا تعود منها ولو لحظة واحدة . فمن يغفل لحظة من عمره ، يتعرض للخسران بمقدار تلك الغفلة . ولو افترضنا ان الانسان بامكانه اغتنام ساعات وأيام حياته القادمة ، فلا بد أن يشعر بالغبن

--> ( 1 ) جامع السعادات ، ج 3 ، ص 94 .